ابن قيم الجوزية
167
البدائع في علوم القرآن
يعبدها المشركون من دون اللّه لن تقدر على خلق الذباب ، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه ، فكيف ما هو أكبر منه ؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه ، فيستنقذوه منه ، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات ، ولا على الانتصار منه ، واسترجاع ما سلبهم إياه ، فلا أعجز من هذه الآلهة ، ولا أضعف منها ، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون اللّه ؟ . وهذا المثل من أبلغ ما أنزله اللّه - سبحانه - في بطلان الشرك وتجهيل أهله ، وتقبيح عقولهم ، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة ، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات ، والإحاطة بجميع المعلومات ، والمغني عن جميع المخلوقات ، وأن يصمد إلى الرب في جميع الحاجات ، وتفريج الكربات ، وإغاثة اللهفات ، وإجابة الدعوات ، فأعطوها صورا وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الإله الحق ، وأذلها وأصغرها وأحقرها ، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه ، وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء لإلهيتهم . أن هذا الخلق الأقل الأذل العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئا ، واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك ، ولم يقدروا عليه ، ثم سوّى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله : ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ، قيل : الطالب : العابد ، والمطلوب : المعبود ، فهو عاجز متعلق بعاجز ، وقيل : هو تسوية بين السالب والمسلوب ، وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز ، وعلى هذا فقيل : الطالب الإله الباطل ، والمطلوب : الذباب يطلب منه ما استلبه منه ، وقيل : الطالب : الذباب ، والمطلوب : الإله ، فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه . والصحيح : أن اللفظ يتناول الجميع ، فضعف العابد والمعبود ، المستلب والمستلب ، فمن جعل هذا إلها مع القوي العزيز ، فما قدّره حق قدره ، ولا عرفه حق معرفته ، ولا عظمه حق تعظيمه . تمثيل أعمال الكافرين بالسراب ومنها قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 ) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ( 40 ) [ النور ] ، ذكر - سبحانه - للكافرين مثلين ، مثلا بالسراب ، ومثلا بالظلمات المتراكمة .